الشيخ محمد الصادقي

181

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

علمه بحياته بعد حين في آيته : « يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ . . » . وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ( 84 ) . هنا يختص يوسف بذكراه إذ لا يتأكد بعد من حياته أو أن يأتيه ، ولكن أخاه وكبيرهم بعد موجودون بمكان معلوم ، ثم ويوسف هو القمة العالية الغالية في حبّه ، وما فاصل الزمان البعيد بالذي ينسيه ، لا سيما والحادث الجلل الجديد يذكر جلل القديم . « وَتَوَلَّى عَنْهُمْ » اعتراضا عليهم وإعراضا عنهم ، منقطعا إلى اللّه « وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ » إذ ما هوّنت من مصابه طائل السنون ، والنكبة الجديدة في أخيه ثم كبيرهم تجدده أكثر مما كان طيلة السنين ، وذلك غاية الأسف والأسى على أعز الأبناء وأغرهم الذي تتلوه غائلة فوق غائلة ، فهنا « وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ » حيث أذهب الحزن بسواده فانظّم في سائر بياضه ، ولكنه على حزنه الذي بلغ به إلى العمى لم يكن ليشكوا حزنه إلى أحد إلّا للّه « فَهُوَ كَظِيمٌ » غيظه وحزنه عمن سوى اللّه ، هضيم عبء مصابه للّه : « إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ » ممن أحزنني وخانني لا من اللّه . أترى أن الحزن ، وعلى أثره البالغ منه : ابيضاض العين ، ذلك لا يلائم الصبر الجميل ؟ إنه لو كان شكوى من اللّه لخرج عن الإيمان باللّه ، فضلا عن الصبر الجميل ، ولكنه إذا كان شكوى إلى اللّه من بأس الظالمين ، فهو قضية الإيمان ، وصبر جميل ، حيث لم تخرجه عن الرجاء باللّه والأمل في رحمة اللّه .